الفصل الأول: ثعلب الجمهورية

1 – شبيبة

امتلأت الصدور بنسيم الصباح العليل، وانفرجت الأسارير عن ابتسامات واسعة مبددة سحب الهموم المتراكمة على الوجوه الكالحة.. وانحدرت قطرات المطر الباردة عبر الأغصان مبللة الرؤوس والأجساد المنتشية.. وتراكضت الدواب في الوحل على غير هدى ابتهاجا بالغيث الجديد..

ما أجمله من مكان بأشجاره المخضرة، وظلاله الوافرة، ومياهه الجارية، وخشخشة دوابه الباحثة عن الحياة !.. وما أروع امتزاج خضرته بزرقة سمائه  في هذا الجو البديع الرائع.. وما أبغض ذلك الطائر المنافق الناقل للأخبار.. إنه يشق عنان السماء مزعجا للدواب بأخباره المنسوجة في جحور المخابرات.. “إقترب واسمع، إسمع واقترب: انقلاب ناجح يستعين بالصواعق التي ضرب الغابة ليلة البارحة ليطيح بأسد الجمهورية الثقيل”..
عباراته الركيكة تذكرني بترانيم ديانة منسية يتغنى بها أهل الضلال.. ما أبغضه إلى قلبي من طائر – لو كان لي قلب ! -، صوته الحاد يخترق الصخور  قبل الآذان مرددا أخبار الإنقلابات البغيضة التي لا نهاية لها في هذه الغابة التعيسة !..

كلماته البغيضة تخترق الأعرنة والجحور والأعشاش منذرة بشر مستطير.. تبا له من منافق خسيس، وتبا للوحش المنقلب الذي أرسله، وتبا للغابة التي يبدد النفاق فيها للمتسلطين كل أمل في تخلصها من قبضة الإنقلابيين !..

إن بومتين تسبحان في الجوار، إحداهما عجوز على آخر درجات سلم حياتها، لم ينجح طين التجميل الذي غطت به تجاعيد وجهها في إخفاء دمامتها الطاغية.. والأخرى على النقيض منها، شابة جميلة في مقتبل الدلال..
هتفت الأخيرة باشمئزاز:
– لم يبق ليحكمنا إلا ثعلب ؟!
ارتعبت العجوز فازداد وجهها انكماشا ودمامة.. وهمست:
– اخفضي صوتك أيتها الحمارة فإن للأشجار آذان..
هتفت “شَبِيبَةْ” بسخط:
– منذ ولدت في هذه الغابة يا “سراب” وأنا أتدحرج بين انقلاب وآخر، فإلى متى؟..
تأملتها “سراب” بغيرة لم تفلح في إخفائها، وتمتمت بغيظ:
– أنت محظوظة فلا زلت في مقتبل العمر، أمامك ملذات الدنيا لتنهلي منها..
صاحت فيها شبيبة بغضب:
– كفاك حسدا أيتها العجوز، ستقتليني يوما بعينيك المتجعدتين..
ضاق صدر الشابة بنظرات صاحبتها السالخة، وملاحظاتها الجارحة، وتساءلت في أعماقها “لماذا يحسد هؤلاء اللئام غيرهم؟ أما كفاهم أنهم لم يسهموا في نعمة أحد، وإن بأمنية طيبة؟! ما أنتن قلوبهم، وأخبث سرائرهم، وأجدرهم ألا يوفقوا في الحياة، ولا حتى بعد الممات”..

صدق من قال إننا نحن الإناث لم نخلق إلا لهؤلاء الأغبياء.. ما أن تحس الواحدة منا بقرب أتفه واحد منهم حتى ينقلب حالها من الخمول إلى النشاط، واللامبالاة إلى الحرص، والحيادية إلى المنافسة، والسكون إلى الحركات الفاضلة التي لا معنى لها.. ألا سحقا لوضاعتنا التي لم يغن عنها جمال..

ذكرتني صداقة هاتين البومتين بقول المجنون الغابر: “إن الصداقة بين الإناث سلسلة من المؤامرات التي لا نهاية لها”.. لقد تحول جمال هذه الشابة إلى لعنة تطاردها أينما حلت بين بنات جنسها.. لم يتحملن  تميزها، ولم تتحمل هي نفاقهن وغيرتهن، فقررت الإبتعاد عنهن، فابتليت بعجوز أحرص على الدنيا منهن !..

قطعت العجوز شرودها بقولها:
– من عجائب الدنيا أن بعض دوابها تغلب عليهم الآمال الفاسدة فلا يربحون من ورائها غير الهم والغم، ثم الوزر بعد ذلك كله !

تمتمت الشابة:
– يقولون إن أصول الفضائل أربع: العدل والفهم والنجدة والجود. وأن أصول الرذائل أربع ضد الأولى: الجور والجهل والجبن والشح..

هتفت سراب:
– أكسر منقاري المعوج هذا إن لم تكن الخصلتين الأوليين من الأضداد في كل الإنقلابيين..
هزت شبيبة رأسها موافقة وقالت:
– من سلك طريقا مخوفا متكلا على قوته وحدها فقد سعى في حتفه، ومن حمل نفسه ما لا تطيق فقد تسبب في هلاكها..
هزت سراب رأسها متفكرة، وقالت:
– لا أعتقد أن هؤلاء الإنقلابيين يعتمدون على القوة وحدها.. أهم منها في رأيي النفاق الذي تغدقه عليهم دواب الغابة المستكينة..

ضحكت شبيبة، وقالت:
– أعتقد أن بريق السلطة يجذبهم إليه كما يجذب العسل النحل..
بصقت سراب حولها باشمئزاز، وقالت:
– هو عسل في قاعه السم الناقع، عاجله حلاوة وآخره انقلاب زعاف..

ألقت شبيبة نظرة على طائر الأخبار الذي غاب في الأفق مبتعدا، وقالت:
– حياة هؤلاء الإنقلابيين التافهة لا تساوي لذة لحظة واحدة من التسلط على هذه الدواب المنافقة..
هتفت سراب:
– جُعل الخير كله في بيت وجُعل مفتاحه الزهد في الدنيا، وجعل الشر كله في بيت وجعل مفتاحه حب الدنيا..
هتفت شبيبة ضاحكة:
– حبذا الإمارة ولو على الحجارة..
صاحت سراب بسخط:
– ودواب هذه الغابة أسوأ من الحجارة..
أردفت وهي تهز رأسها بتدبر:
– لكن سنة الحياة تثبت أن من سلب نعمة غيره سلبه غيره نعمته !..
هتفت شبيبة:
– صحيح، ألا ترين أن من يسلبهم ملكهم هو أقرب الدواب إليهم ؟! صدق من قال إن أجرأ الدواب على الأسد أكثرها رؤية له، ولم يكذب من قال: “سمن كلبك يأكلك”..
هزت سراب رأسها موافقة، وقالت:
– فأرة الصحراء أعقل من الجميع..
تساءلت شبيبة:
– وما قصتها ؟

تذكرت سراب جدتها المنتوفة التي كانت تملأ آذانها بأساطير القدماء في الليالي المظلمة، فتمتمت بخشوع مستحضرة تلك الصورة:
– زعموا أنها شكت شظف الحياة لابنة عمتها فأرة الغابة، فعزمت عليها الأخيرة أن تقيم معها حيث الدفء والغذاء، وكانت تسكن في غيضة وحش من الأثرياء تسطو على مدخراته ليلا فتنال منها حاجتها.. فأتفق أن نصب لها في تلك الليلة فخا وقعت فيه، فما كان من فأرة الصحراء إلا أن ولت هاربة وهي تردد “السلامة مع ضيق العيش خير من سعة يحرسها انقلاب”.. أقصد: “الموت”..
ضحكت شبيبة، وقالت ممازحة:
– تبا لك أيتها المنتوفة أتشبهين وحوش الجمهورية بالفئران ؟..
اغتصبت العجوز ضحكة قلقة، وتساءلت بقلق:
– أعتقد أنك آخر من يشي بي في هذه الغابة؟
طمأنتها شبيبة قائلة:
– هوني عليك فلست جاسوسة، ولن أكون أبدا..
أردفت بإبتسامة بريئة:
– سنرقص على الأقل ليلة تنصيب هذا المتسلل ثعلبا للجمهورية.
رمقتها العجوز بنظرة نارية، وتمتمت وهي تضغط أسنانها غيظا:
– طبعا.. تستطيعين الرقص مثل الحمارة..
تأملتها شبيبة بدهشة وازدراء، ثم هتفت بغيظ:
– موتي بغيظك أيتها العجوز الدميمة الحسودة

دوى نعيب غراب حولهما فهتفت الشابة متعمدة إغاظة العجوز:
– سامحيني أيتها البائسة سأتركك الآن، الحب يناديني..
تأملت سراب وجهها المتلألأ فرحا بقرب حبيبها المنتوف، وتمتمت بحرقة:
– صدق من قال إننا نحن الإناث لم نخلق إلا لهؤلاء الأغبياء.. ما أن تحس الواحدة منا بقرب أتفه واحد منهم حتى ينقلب حالها من الخمول إلى النشاط، واللامبالاة إلى الحرص، والحيادية إلى المنافسة، والسكون إلى الحركات الفاضلة التي لا معنى لها.. ألا سحقا لوضاعتنا التي لم يغن عنها جمال..
لوحت بجناحها للغراب الذي حياها، وهمست وهي تتأمله متعجبة:
– حتى إن كان صاحبها دميما خسيسا يعمل حارسا في الجيش كهذا !..

ابتسمت شبيبة، وقالت بسخرية:
– يا لك من عجوز وقحة.. تحسبين نفسك من الإناث، ثم تتحدثين عن الجمال والدمامة !!..
صاحت فيها العجوز بحنق:
– لقد أخبرتك بأنني كنت أجمل منك عندما كنت في مثل سنك أيتها الجاحدة ؟..
انبعثت من شبيبة ضحكة صاخبة، وهتفت:
– وطبعا صدقتك أيتها الدميمة الكاذبة..
هتفت سراب بحنق:
– لا أصدق أنك وقعت في حفرة حب هذا الغراب الوضيع الأصل..
ردت عليها شبيبة وهي تحلق مبتعدة:
– لا فرق بيننا وبين الغربان المشائيم، كلنا نقبع في مكان واحد هو ذيل هذه الغابة الطبقية.. يا طبقية !
افتعلت سراب ضحكة ساخرة، وهتفت وهي تشيعها بنظراتها الحارقة:
– أنت أكثر وضاعة منه..
بدا طائر الأخبار عائدا من جولته الإخبارية وهو يهتف: “إعدام الأسد المخلوع وشلة وزرائه اللئام الذين نهبوا الغابة في يوم تنصيب ثعلب الجمهورية”..
صاحت سراب بغيظ:
– تبا للإثنين..
غطت منقارها بجناحها بسرعة، وتفقدت سنها المتبقية، وتمتمت:
– سأفقدك يوما بسبب هذه السياسة اللعينة..

كم أعجب من ذلك التآلف الذي يجمع بين هذه الدواب الهائمة رغم تباين طباعها وأشكالها وأعمارها.. إنهم يسمونه “الحب”، يقولون إن أوله دعابة وآخره عويل ! وأن أنواعه منقضية كلها بانقضاء عللها، تزيد بزيادتها وتنقص بنقصانها، إلا محبة العشق التي لا فناء لها إلا بالموت ! والتي لا يعرض في غيرها ما يعرض فيها من ذهول ووله وشتات ! ألا تبا لهذه الدواب الهائمة، أأعجب من وقوع هذه البومة الشابة الجميلة في حب ذلك الغراب الخسيس الدميم، ولا تكاد تجد متحابين إلا وبينهما مشاكلة في الصفات قل ذلك أو زاد.. فما هي الصفات التي اشترك فيها هذين المتناقضين ؟!..

يتبع..

بواسطة: سيد محمد اخليل

التعليق ب

شارك الموضوع ليصل إلى الآخرين

Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

جميع الحقوق @ محفوظة لموقع أشجان 2014